ابن عجيبة

422

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الجاهل الذي لا يرحم نفسه ؛ بأن يعلمه ما ينفع به نفسه ويرحمها . وقال الغزالي في الإحياء : يجب على العلماء أن يبعثوا من يعلم الناس في البوادي ؛ فإن أخلوا بذلك الأمر عاقبهم اللّه ، فمن تعرض لتعليمهم قام بهذا الواجب . واللّه تعالى أعلم . وأما ما يذكر حديثا : « أمتي في المدن ، وقليل في البادية » ، فلم يصح ، بل قال - عليه الصلاة والسلام - للرجل الذي أراد أن ينتقل إلى المدينة : « اعبد اللّه حيثما كنت ، فإن اللّه لن يترك من أعمالك شيئا » . وكذلك قوله : إذا أراد اللّه بعبد خيرا نقله من البادية إلى الحاضرة ؛ لم أقف عليه حديثا . وبالله التوفيق . ثم ذكر فضل السابقين إلى الإسلام ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 100 ] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 100 ) قلت : ( السابقون ) : مبتدأ ، ( والذين اتبعوهم ) : عطف عليه ، وجملة ( رضى اللّه عنهم ) : خبر . يقول الحق جل جلاله : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ إلى الإسلام مِنَ الْمُهاجِرِينَ ؛ وهم الذين صلوا إلى القبلتين ، أو الذين شهدوا بدرا ، أو الذين أسلموا قبل الهجرة ، وَ من الْأَنْصارِ ؛ وهم أهل بيعة العقبة الأولى ، وكانوا سبعة ، أو أهل العقبة الثانية ، وكانوا سبعين ، أو الذين أسلموا حين قدم عليهم مصعب بن عمير . وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ ؛ اللاحقين بالسابقين من الفريقين ، أو من الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم ، وَرَضُوا عَنْهُ بما نالوا من نعمه الدينية والدنيوية ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ وقرأ ابن كثير : « من تحتها » ، كما هي في مصحف أهل مكة . خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي : الفلاح الدائم الكبير . الإشارة : لكل زمان سابقون ، قد شمروا عن ساق الجد والاجتهاد ، ورفضوا كل ما يقطعهم عن محبوبهم من العشائر والأولاد ، قد خرقوا عوائد أنفسهم ، فأبدلوا العز بالذل ، والجاه بالخمول ، والغنى بالفقر ، والرفعة بالتواضع ، والرغبة بالزهد ، وشغل الظاهر بالتفرغ ؛ ليتفرغ بذلك الباطن . وسافروا في طلب محبوبهم ، وصحبوا المشايخ ، وخدموا الإخوان ، حتى ارتفعت عنهم الحجب والأستار ، وتمتعوا بمشاهدة الكريم الغفار ؛ فتهيئوا لتذكير العباد ، وحيت بهم الأقطار والبلاد . وفي مثلهم يقول الشاعر :